Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

RSS

Twitter

Facebook

Google+
القائمة الرئيسية
المرئيات والصوتيات
عدد الزوار
انت الزائر :14910856
[يتصفح الموقع حالياً [ 119
الاعضاء :0الزوار :119
تفاصيل المتواجدون
مواقع صديقة

*

المكتبة الوقفية

*

مبادرة البحث العلمي لمقارنة الاديان

*

موقع ابن مريم

المقال
المستشرق مونتيه وحديثه عن القرآن -1
3005 زائر
20-10-2012

المستشرق "مونتيه[1]" وحديثه عن القرآن (1)


كان "إدوار مونتيه" أستاذًا للغاتِ الشرقيةِ، وعميدًا شرفيًّا لجامعةِ "جنيف"، وترجمةٌ يَقُوم بها مستشرقٌ يَشغَل هاتينِ الوظيفتينِ يُفْتَرض فيها أن تكون مثالاً للجودةِ والدقَّةِ، فلنَنظُر الآن فيها؛ لنَرَى نصيبَها من هاتينِ الصفتينِ.

أوَّلُ ما يَلفِت النظرَ في هذه الترجمة، هو كتابةُ اسم "محمد" على الغِلاف، وعلى صفحةِ العنوانِ بوصفِه مؤلِّفَ القرآنِ، فهل هذا من أمانةِ العلمِ في شيءٍ؟ إن هذا المستشرِق لا يُقِرُّ بأن القرآنَ وحيٌ إلهيٌّ، بل هو -في زعمه- من تأليفِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا أن هذا لا يصحُّ أن يكون شفيعًا له لتسجيلِ اسم "محمد" على الغِلاف على النحوِ السابقِ ذكرُه؛ إذ ليس هناك أيُّ مصحفٍ يَحمِل اسمَ الرسول -صلي الله عليه وسلم- على جلدتِه، فكان يَنبَغِي إذًا على المترجِم أن يَحتَرِم هذا الوضعَ، وله في: مقدِّماته، ومداخِله، وحواشيه، منادحُ يَستَطِيع أن يُجادِل فيها في المصدرِ الإلهي للقرآن الكريم، أما ما فَعَل فهو تضليلٌ للقارئِ الأوربيِّ يتحمَّل وزرَه على رؤوسِ الأشهادِ.

كذلك من التعدِّي على أمانةِ العلمِ ما قام به هذا المستشرقُ مرَّاتٍ كثيرةً جدًّا - وبدونِ أيِّ سند، بل أيضا بدون أيَّة محاولةٍ لتسويغِ هذا التصرُّف العجيبِ، - من تمزيقِ أوصالِ الآيةِ الواحدةِ إلى أكثرَ من آيةٍ، وضمِّ الاثنتينِ في آيةٍ واحدةٍ.

ثم إن الترجمةَ مليئةٌ بالأخطاءِ المضحكةِ والخطيرة معًا، مما لا يَلِيق بأستاذٍ للغات الشرقية وعميدٍ شَرَفِيٍّ لجامعةٍ شهيرةٍ كجامعة "جنيف"، وبخاصة أن هذا المستشرقَ وأمثالَه لا يُقْدِمون على قراءةِ القرآنِ، فضلاً عن ترجمتِه، دون أن يُحِيطوا أنفسَهم بالتفاسيرِ المختلِفة، التي من شأنِها أن تكمِّلَ منهم نقصَ الفهمِ، وتقوِّم معوجَّه.

وأودُّ هنا أن أنبِّه إلى أن ما سَأُشِير إليه هنا من أخطاءٍ لا يَبلُغ عشرَ معشارِ ما تعجُّ به الترجمةُ من أغلاطٍ تَحِيف على معنى القرآنِ وتشوِّه جلالَه.

وعلى بركةِ الله نبدأ، فنقولُ: إنه يترجِم: ﴿ مَنْ ﴾ في قولِه -تعالى-:﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 98]، وهي اسمُ شرطٍ جوابُه: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾، على أنها اسمُ استفهامٍ، ثم إنه يجعلُ هذه الجملةَ الواحدةَ جملتينِ منفصلتينِ: أولاهما استفهاميةٌ، والثانيةُ، هي: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾؛ مما يَهبِط بفحولةِ الصياغةِ القرآنية إلى رَكاكةٍ مغثيةٍ لا تسوغُ إلا في حلوقِ هؤلاءِ المستشرقينَ، وإلا فمَن ذا الذي يُسِيغ استخدامَ الفعلِ "كَانَ "في هذه الجملة -لو كانت- كما فَهِمها هذا المستشرقُ، جملةً استفهامية؟ وأين تَذَهب "الفاء" في: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾، وهي من الوضوحِ، بحيث تَخزِق عينَ كلِّ جهولٍ؟ " ص89 - هـ 3 ".

وهو يَتحَذلَق في ترجمةِ قولِه -تعالى-: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ [البقرة: 210]، جاعلاً معناه: "هل يَرجُون أن يأتيَهم الله... إلخ؟"، ثم يفسِّرها في الهامش: بأنَّهم كانوا يَنتَظِرون نزولَ وحيٍ خاصٍّ من أجلِهم، مع أن الآيةَ إنما تهدِّدهم بأنهم إذا أتاهم الله في ظللٍ من الغمام والملائكةُ؛ فقد انتهى الأمرُ، وتَمَّ هلاكهم " ص109- هـ3 ".

وهو حين يترجِم قولَه -تعالى-: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 234]، يَجعَله: "فَلا جُنَاح عليهنَّ... ".

وإن تَعْجبْ فعجبٌ تعليلُ الكاتبِ لهذا الخروجِ على النص! إنه يَرَى أن ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ تعودُ على الأزواجِ المتوفَّين، وأن النص من ثَمَّ مغلوطٌ؛ إذ لا يُمكِن -بداهةً- أن يتحمَّل الأزواجُ المتوفَّون مسؤوليةَ ما تفعلُه زوجاتُهم بأنفسِهنَّ من بعدِهم، فلا داعِي إذًا للنص على تبرئتِهم " ص114 - هـ 8 ".

وفات هذا المجترئَ الجهولَ أن المقصودَ هو: أنه لا جناحَ فيما تفعلُه الزوجاتُ اللاتي تُوفِّي عنهن أزواجُهن في أنفسِهن بالمعروفِ، وليس في الآية أي لبس، فالضميرُ في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾، يعودُ على الجماعةِ الإسلاميةِ، التي يتوجَّه إليها الله -سبحانه- بالحديثِ في هذه الآية، ولولا أن الكاتبَ قد أقبلَ على ترجمتِه هذه، وهو متنمِّر ومشمِّر عن ساعدَيه وساقَيه لتصيُّدِ ما كان يَظنُّ أنه لاقيه في هذا البحرِ القرآنيِّ العميقِ من أغاليطَ - لَمَا تردَّى في هذا الفهمِ المُضحِكِ.

ونفسُ الفهمِ المُلتَوِي -بل المنعدم- يَلقَاه القارئ في ترجمةِ قولِه -سبحانه-: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [آل عمران: 18]؛ إذ يَجعَله "... وأولو العلمِ القائِمونَ بالقسطِ" ص129 ".

وكذلك في ترجمةِ قولِه -تعالى-: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ [آل عمران: 151]، الذي يَمسَخه على النحوِ التالِي: "سنُلقِي في قلوبِ الذين كفروا الرعَب بما أشركوا باللهِ ما أوحَى بأنه عاجزٌ!" " ص146، وهـ 4 ".

ولنقفْ الآن قليلاً أمام قولِ الحقِ -تبارك وتعالى- بعد أن أعلَن حرمةَ زوجاتِ الآباءِ على الأبناءِ، وكذلك: حرمةَ الأمهاتِ، والبناتِ، والأخواتِ، والعماتِ، والخالات،... واللائِي على ذمَّة أزواجِهن: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ [النساء: 24]، فهل يَجِد القارئ أيَّة صعوبةٍ في فهمِ المقصودِ بهذه العبارةِ؟ بيدَ أن "مونتيه" يَضطَرِب في ترجمتِها، ثم يحمِّل القرآن مسؤوليةَ هذا الاضطرابِ.

وأودُّ أن أستَشهِد بنص الترجمةِ ذاتِه؛ لأبيِّن للقارئ -على الطبيعة- كيف تزلُّ قَدمَا المترجِم من تلقاءِ نفسِه؛ لأنه لا يُحسِن أن يَمشِي، ثم فيدَّعي أن شخص ا قد دفعه فأوقَعه. والنص هو:

"N' epousez pas "de femmes mariees... , mais il vous est permis d'aller au – dela et de les rechercher pour vous avec votre for – tune , en les epousant , et non forniquant... ".

فهل مَن يقدِر على تبيينِ ما يعودُ عليه الضمير "les" فيه؟

إن النص القرآنيَّ لا يوجَد فيه ما يقابلُ هذا الضميرَ ولو من بعيدٍ، وبرغم هذا فإن المترجِم يتجرَّأ، فيكتُب في هامشٍ يخصِّصه لهذا الضميرِ قائلاً: "إنه يعودُ على النساءِ الأخرياتِ، وليس على المتزوِّجاتِ"، إلى هنا والكلام معقولٌ؛ فالكاتبُ يوضِّح للقارئِ اللَّبسَ الذي جرَّه اضطرابُ ترجمتِه على معنى العبارةِ، بيدَ أنه لا يَقِف عند هذا الحدِّ، بل يَمضِي قائلاً: "ويَرَى القارئ كيف أن هذه النصوص التشريعيةَ قد كُتبَت على نحوٍ يَفتَقِر إلى الدقَّة" ص161 - هـ 8 ".

والمترجِم بذلك يَسِير على طريقةِ: "رَمَتنِي بدائها وانسلَّت"!


كذلك هل ثَمَّة لَبْسٌ في المقصودِ من آية سورةِ "المائدة" التي ينبِّه الله فيه رسولَه -صلى الله عليه وسلم- إلى خلائقِ اليهودِ في الغدرِ والخيانةِ، قائلاً - سبحانه -: ﴿ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: 13].

إن المترجِم العبقريَّ يَفهَم "لا" في: ﴿ وَلَا تَزَالُ ﴾، على أنها حرفُ نهيٍ، ومن ثَمَّ يترجِم العبارةَ هكذا: "لا تكفَّ عن محاولةِ معرفةِ خيانتِهم... "، ثم يَصِف ذلك بأنه شديدُ القسوةِ على اليهودِ المعاصِرين للرسول -عليه السلام-." ص189 - هـ 1 ".

وأين القسوةُ هنا، وبقيةُ الآيةِ أمرٌ بالصفحِ والعفوِ، وتحبيبٌ في الإحسان؟


أم هل ثَمَّة غموضٌ في تلك الآياتِ التي يُحذِّر الله فيها المؤمنينَ أن يتَّخِذوا اليهودَ والنصارى أولياءَ، ويسفِّه موقفَ المنافقين الذين يُسارِعون فيهم قائلين: ﴿ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ﴾، فإذا أتى اللهُ بالفتحِ أو أمرٍ من عنده؛ أَصبَحوا على ما أسرُّوا في أنفسِهم نادمينَ، وشَمِت المؤمنونَ بهم أيَّما شماتةٍ، [المائدة: 51 - 53]. إن "مونتيه" يترجِم ﴿ نَادِمِينَ ﴾، بمعنى "تَائِبين"، مع أن الندمَ هنا إنما هو نَدَمُ الغيظِ والحسرةِ على انتصارِ الإسلامِ وفشلِ كيدِهم، وكأن هذه السقطةَ غيرُ كافيةٍ؛ فأضافَ في الهامشِ أن الله قد يتدخَّل ويُعِيد هؤلاءِ المنافقينَ إلى حظيرةِ الإسلامِ!" ص196 - هـ1 ".

ونظيرُ هذا الفهمِ يُطَالِعك في ترجمتِه لقولِه -تعالى- خطابًا لرسولِه -عليه السلام-: ﴿ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الأنعام: 66]؛ إذ يؤدِّيه هكذا: "قُلْ: لَيْسَ على أن أَنشَغِل بكم"، ثم يعلِّق في الهامشِ بأن هذا القولَ يَتَعارَض مع كونِ محمدٍ مبعوثًا إلى أمةِ العربِ " ص217 - هـ 4 ".

وبغضِّ النظرِ عن قصْرِ بِعثةِ الرسولِ -صلي الله عليه وسلم- على العربِ وحدَهم، وهو زعمٌ استشراقيٌّ سخيفٌ ومتهافتٌ؛ فإننا لا نَدرِي فيم التعارضُ إلا في ذهنِ المترجِم الذي -كعادتِه- يُخطِئ ثم يُحِيل خطأَه على القرآن.

إن القرآنَ يأمرُ الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- بأن يُعلِن أنه غيرُ مسؤولٍ عن إيمانِهم وكفرِهم، وأن مهمتَه مقصورةٌ على تبليغِهم دعوةَ الحقِّ، ثم إنهم بعدَ ذلك أحرارٌ.

أما أن الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- كان منشغلاً بهم فهذا صحيحٌ؛ إذ كان يؤدِّي مهمتَه بجدٍّ بالغٍ واهتمامٍ ما بعده اهتمامٌ، حتى لقد كان يُقاسِي من جرَّاء انصرافِهم عن دعوةِ الإيمانِ الآلامَ النفسيةَ الشديدة.

والغريبُ أن المترجِم قد نَقَل هذا التعبيرَ وتعبيرًا بمعناه في موضعينِ آخرينِ من السورة إلى الفرنسية نقلاً سليمًا، بل إنه قد علَّق على التعبيرِ الأخيرِ بما يُفِيد أنه يَفهَم مغزاه" ص222 هـ -1"، وذلك عند ترجمتِه لقولِه -تعالى-: ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾، وتعليقه عليه، وكذلك في الصفحة التالية عند ترجمته لقوله -عز شأنُه-: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ [الأنعام: 107]؛ مما يتساءلُ الإنسان بإزائه متحيِّرًا: أو لم يَنتَبِه المترجِم حين وصَل إلى هاتينِ الآيتين الأخيرتينِ -أو حتى عندما فرغ تمامًا من ترجمةِ القرآن- إلى التعارضِ بين فهمِه للآية الأولى وفهمِه لهاتين؟

إنني أَستَبعِد أن يكونَ قد فَهِم هاتينِ الأخيرتين على وجهِهما الصحيحِ من تلقاءِ نفسه، بل لا بدَّ أنه استقى ذلك من التفاسيرِ التي كان يَستَعِين بها، فأين إذًا كانت هذه التفاسيرُ وهو يخبط خبطَ عشواءَ أثناء ترجمة الآية الأولى؟


ثم أَتدرِي كيف يترجِم قوله -تعالى-: ﴿ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ﴾ [التوبة: 37]، وهو معنًى واضحٌ قد تكرَّر ورودُه في القرآن إشارةً إلى غرورِ الكافرين وعمَى بصائرِهم؛ إذ يرون الباطلَ حقًّا؟


لقد وَرَدت هذه العبارةُ في سياق الحديث عن تلاعب الكفارِ بالأشهر الحُرُم، التي كانوا يَنقِلون بعضها حين تَقتَضِي مصالحُهم ذلك إلى أشهرٍ أخرى ليواطِئوا عدَّة ما حرَّم الله، وإن لم يَحتَرِموا الشهورَ نفسَها التي حرَّمها الله -سبحانه- فيأتي المترجِم ويَفهَم العبارة السالفة على أنهم يزيِّنون بذلك أعمالَهم السيئة، ثم يقفِّيها في الهامش بأنهم يحوِّلون بذلك ما ارتكبوه من أعمال سيئة إلى أعمالٍ حسنةٍ، فيكون كمفسِّر الماءِ بعد الجهدِ بالماءِ، ثم يُعقِب ذلك بثالثة الأَثَافِي؛ إذ يقول: "إن بناءَ الآيةِ مضطربٌ، ومعناها غيرُ واضحٍ". وكأن ذلك كلَّه غيرُ كافٍ في فضحِ عجزِه؛ فيَمضِي متسائلاً: "أو قد بَقِي النص على حالِه لم يَتغيَّر؟"، ثم يُجِيب في غير تردُّد: "إن ذلك مشكوكٌ فيه" ص283- هـ 6، 7".

أما في قوله -تعالى-: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]؛ فإنه يترجِم ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾؛ بمعنى: "قادرٌ على تحمُّل عنتِكم"! أهذا خطأٌ يقع فيه من له أدنى إلمامٍ بالكلام العربي، بَلْهَ أستاذًا للغاتِ الشرقيةِ، وعميدًا شرفيًّا لجامعة أوربية مشهورة؟ إن البلية أن صاحبَ هذا الفهمِ العجيب لا يَكتَفِي بإخطاءِ المعنى وقلبِه رأسًا على عقب، بل يَأبَي إلا أن يتصدَّى لتخطئةِ القرآن والزرايةِ على ما يظنه تناقضًا فيه وتهافتًا في أسلوبه.

وهو يترجِم قوله -تعالى-: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [يونس: 37]، بما معناه: "ولكن تصديقَ الذي بين يدي الله"، جاعلاً الحرفَ الأوَّل من الضمير في "يديه" - وهو في الفرنسية صفةَ مِلْكيةٍ - حرفًا كبيرًا: "majuscule "هكذا: Ses "للإشارةِ إلى أن المقصودَ هنا هو الله -سبحانه- لا القرآن.

وهذا في صلب الترجمة، ثم لا يشاء إلا أن يجعلَ غلطتَه غلطة بَلْقَاء؛ فيوضِّح ذلك في الهامشِ بأن المراد هو "بين يدي الله " ص105 - هـ 7 ".

تُرى هل المعنى صعبٌ إلى هذا الحدِّ؟ إن هذا المعنى كثيرُ الورودِ في القرآنِ، والمقصودُ به -كما هو معروفٌ- الكتبُ السابقةُ على القرآنِ، "قبل تحريفِها طبعًا".

بل إن المترجِم نفسَه قد تَرجَم نفس التعبير في سورة "آل عمران" ترجمةً صحيحةً " ص126"، فكان المظنونُ -وقد فَهِم هذا- أن يَفهَم ذلك أيضًا! ثم لا تمرُّ إلا آيةٌ واحدةٌ حتى يكبوَ كبوةً أخرى فظيعة؛ إذ يترجِم قوله -تعالى-: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ [يونس: 39]؛ هكذا: "بل كذَّبوا بما يُمكِن علمُهم أن يُحِيط به" ص305 ".

وهناك خطأٌ آخرُ يَرتَكِبه مستشرقُنا بصفةٍ مطَّردة -أو شبه مطَّردة- فما من مرةٍ وقعَ بصري على ترجمته لعبارة تبتدئ بـ "ألا " الاستفتاحية إلا وجدتُه يترجِمها بمعنى "أليس...؟

انظر مثلاً: ترجمتَه لـ:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28] ص350 ".

و: ﴿ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ﴾ [الزمر: 5] ص618 ".

و: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴾ [فصلت: 54] ص462 ".

بل انظر كذلك قولَه -تعالى-: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾؛ الذي أدَّاه بمعنى: "أليس هو ذكرًا للعالمين؟" ص823".

ولا أدري من أين أتى بهذا التوجيهِ، ولا كيف وقع في مثلِ هذا الخطأ البدائيِّ؟ إلا أن تكون معرفتُه باللغة العربية ومبادئها لم تكن لتؤهِّله للاضطلاعِ بهذا الأمر!

أما في سورة "الحِجْر" - التي يَكتبُها بالحروف اللاتينية "الحَجْر"، بفتح الحاءِ وتسكينِ الجيم "ويترجِمها بـ "le Roc"؛ أي: "الصخرة"، يقصد الحَجَر، بفتح الحاء والجيم معًا، فتأمَّل! " - فإنه يترجِم قولَه -سبحانه-: ﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: 88]؛ بحيث تعني: "ولا تَمُدنَّ عينيك إلى ما متَّعنا به جماعتين منهم" ص367". ولماذا جماعتان بالذاتِ؟ أَلأنَّ القرآنَ استعملَ لفظة "أزواجًا" التي من معانِي مفردها "اثنان"؟ لكن هذه اللفظةَ قد وردت هنا بصيغةِ الجمع؛ فكان الأحرى به أن يتريَّث قليلاً.

والطريفُ أنه ترجَمها ترجمةً صحيحةً في سورة "طه"، آية 131 - ص439".

وهو يترجِم قوله -تعالى-: ﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 55] بـ: "من أجلِ الكفرِ بما آتيناهم، ولكي يتمتَّعوا"، مع أن اللام في "ليكفروا" هي للأمر، والمقصود بها وبـ "فتمتعوا" "التهديد" ص375 ".

أما ترجمتُه للآية التي بعدها، فأدهى وأمرُّ؛ إذ يقولُ الحق -سبحانه-: ﴿ وَيَجْعَلُونَ ﴾؛ "أي: المشركون" ﴿ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾؛ أي: يقدِّمون القرابينَ والنذورَ -وهي مما رزقهم الله- لما يَعبُدونَه؛ افتراءً منهم وجهلاً، آلهة، فيترجِم هذا المستشرقُ العبارةَ على النحو التالي: "بعد ذلك يضعونَ جانبًا أشياءَ بعينِها؛ لأنهم لا يَعلَمون بعضَ ما رزقناهم"!

ولنقفزَ قفزًا إلى سورة "مريم"، مجتزئينَ منها بغلطةٍ واحدةٍ فقط لا غيرَ:

إنه يترجِم قولَه -تعالى- تهديدًا لأحدِ المشركين المغترِّين بأموالِهم وأولادِهم، والمطمئنِّين اطمئنانًا جاهلاً إلى المستقبل: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ﴾ [مريم: 80]؛ هكذا: "ونورثُه ما يقولُ..."، عاكسًا المعنَى وجهًا لقفًا!" ص426".

إنني -كما يرى القارئ- لا أحاولُ تتبعَ كلِّ أخطاء الترجمة، وإلا فلن أَفرُغَ، بل أَكتَفِي بإطلاعه على عيِّنة صغيرة جدًّا، ولمن شاء أن يرى التشويهَ الفظيع لآياتِ القرآنِ الكريمِ في مواضعَ لا يَسهُل حصرُها - يُمكِنه أن يرجِع بنفسِه إلى الترجمة.

وإلى لقاءٍ.. مع الجزء التالي من حديث مونتيه عن القرآن،،


[1] صدرت ترجمة مونتيه في باريس سنة 1929م، عن دار "payot "، وتقع في 895 صفحة: منها 65 صفحة للمقدمة والمدخل، وعشرون أخري للفهارس. وهي مملوءة بالهوامش التعليقية والتفسيرية، وقد نقلت إلى الإيطالية في نفس السنة التي طبعت فيها بالفرنسية.


   طباعة 
0 صوت