Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

RSS

Twitter

Facebook

Google+
القائمة الرئيسية
المرئيات والصوتيات
عدد الزوار
انت الزائر :14898162
[يتصفح الموقع حالياً [ 94
الاعضاء :0الزوار :94
تفاصيل المتواجدون
مواقع صديقة

*

المكتبة الوقفية

*

مبادرة البحث العلمي لمقارنة الاديان

*

موقع ابن مريم

المقال
المستشرق مونتيه وحديثه عن القرآن - 2
2894 زائر
20-10-2012

المستشرق "مونتيه" وحديثه عن القرآن (2)

مما رأيناه في الجزء الأول من ترجمة "إدوار مونتيه" الذي عمل أستاذًا للغاتِ الشرقيةِ، وعميدًا شرفيًّا لجامعةِ "جنيف"، والذي كنا نأمل أن تكون ترجمته مثالاً للجودةِ والدقَّةِ، إلا أننا لم نجد لهاتين الصفتينِ وجود.. ونستكمل هنا ترجمته لنتبين ما فيها مدى عجزِه عن فهمِ النص القرآني في أحيانٍ كثيرةٍ.

ولا نحاولُ هنا تتبعَ كلِّ أخطاء الترجمة، وإلا فلن نَفرُغَ، بل نَكتَفِي بإطلاعه على عيِّنة صغيرة جدًّا، ولمن شاء أن يرى التشويهَ الفظيع لآياتِ القرآنِ الكريمِ في مواضعَ لا يَسهُل حصرُها -يُمكِنه أن يرجِع بنفسِه إلى الترجمة.

والآن إلى سورة "العنكبوت"، وسنكتفي بمثالينِ هذه المرة:

فأما الأول، فقوله -تعالى-: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 46]؛ الذي يترجِمه بما مُفاده: "ولا تُجادِلوا أهل الكتاب إلا مع الذين هم أحسنُ، ولكن ليس مع الذين ظَلَموا منهم، الذين يَقُولُون آمنا بما أُنزِل إلينا وما أُنزِل إليكم... إلخ" ص540 - هـ3". وكَشِنْشِنَة هذا العبقري لا يكفئ على الخبر ماجورًا، بل يُضِيف في الهامش -رقم 8 من نفس الصفحة- أن هذه الآيةَ صعبةٌ، لا صعبة في الترجمة - هكذا يقول - بل صعبةُ الفهمِ.

هل فَهِمت - بالله عليك - شيئًا من هذا الكلام؟

إنها إذا كانت صعبةَ الفهمِ، فكيف -يا تُرَى- يُمكِن ترجمتُها أصلاً، فضلاً عن أن تكونَ سهلةَ الترجمة؟ أما المثالُ الآخرُ، وهو قولُه -تعالى-: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 48]؛ فإنه يَنقُله إلى الفَرَنسية بما يعني: "لم يُوحَ إليك من قبل كتابٌ سماويٌّ" ص540 - هـ 10".

فأيُّ تشويهٍ! وأيُّ عبثٍ! وأيُّ قلبٍ للحجَّة القرآنية الدامغة إلى مصادَرةٍ على المطلوب! إن المعنى هو أن الرسول -عليه السلام- كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ومن ثَمَّ فلا عذرَ لمن يتَّهمه بانتحال ما وَرَد في الكتب السماوية السابقة.

أما نفي نزولِ وحيٍ سابق على الرسول -صلي الله عليه وسلم- فليس بشيءٍ؛ فهم لم يتَّهِموه بالاقتباس من وحيٍ كان قد نزل عليه من قبل القرآن، وإلا لكان هذا اعترافًا صحيحًا منهم بأنه رسولٌ يوحَى إليه من السماءِ.

والآن سأَكتَفِي بالإشارة السريعة إلى عدد آخر من الأخطاء، مكرِّرًا في الوقت ذاته أن الترجمة تعجُّ بالمئات من أمثالِها:

إنه يترجِم قوله -تعالى-: ﴿ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ [سبأ: 8] - وهو استفهامٌ يَستَنكِر فيه ربُّ العزة تكذيبَ الكفارِ لرسولِه وتهكُّمَهم بما يخبِرهم به من شؤون القيامةِ والعالم الآخر - على أنه جملةٌ خبريةٌ تتمة لقولِه قبل ذلك مباشرة: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [سبأ: 7]؛ أي أنه يعدُّ الاستنكارَ الإلهيَّ كلامًا صَدَر عن الكافرين" ص573 - هـ 7".

كما يؤدِّي قولَه -تعالى-: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [فاطر: 22]؛ بمعنى: "أن الله يسْمع مَن يشاء" ص584 - هـ 4".

ويترجِم قولَه -سبحانه-: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [الزمر: 45]؛ بما يعني: "ارتَعدَت من الخوفِ " ص623 ".

وفي سورة الواقعة يترجِم: ﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴾ [آية: 13] بـ: "كثيرٍ من الأولين" ص726"، كما يحوِّل الدعاءَ على المنافقينَ في قوله -سبحان-: ﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المنافقون: 4]، إلى جملةٍ خبريةٍ؛ ليصبحَ المعنى: أن الله قد قاتلهم! "ص756".

وعلى هذا النحوِ المفسِد يترجِم: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ﴾ [التحريم: 3] بـ: "وإذ أسرَّ النبيُّ إلى بعض أزواجِه أمرًا وَقَع حديثًا" ص763".

أما: ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ [الأعلى: 9]، فيَنقُلُها هكذا: "فذكِّر، إن الذِّكرى تَنفَع" ص836".

كما يؤدِّي الآيةَ التي قبلَ هذه، وهي: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾، بمعنَى: "ونيسِّر لك السهلَ"، ثم يَتَساءَل في الهامشِ: "أَيَلِيق صدورُ هذه الفكرةِ العاديةِ جدًّا من الرسولِ؟ غيرَ دارٍ - طبعًا - أن الذي لا يَلِيق هو هذا العجزُ المُخزِي، الذي تَكشِف عنه ترجمتُه للآيةِ، وإلا فهل يَحتَاجُ السهل إلى تيسيرٍ؟


• • •


والآن، وبعد أن عَرَفنا ضعفَ المترجِم الشائِن في فهم النص، وفي نقلِه إلى الفَرَنسيةِ نقلاً سليمًا - أُحِبُّ أن أَنتَقِل إلى جهودِه التفسيريةِ؛ فهو لم يَكتَفِ بأن يكون مترجِمًا سيئًا، بل أَبَى إلا أن يكونَ أيضًا مفسرًا رديئًا.

وليس معنى ذلك أنه لم يُصِبْ في أيٍّ من التفسيراتِ التي أَقدَم عليها؛ إذ ليس من المعقولِ - وقد تحصَّن "كما سبق أن أشرتُ" بالترجماتِ السابقة عليه، وكتبِ التفاسيرِ من قديمةٍ وحديثةٍ، وبالمعاجمِ، ودوائرِ المعارفِ المتعدِّدة والمتنوعة - أن يُخطِئ في كلِّ مرَّة حاولَ أن يُقدِّم فيها تفسيرًا لهذه الآيةِ أو تلك.

انظر مثلاً فهمَه لقولِه -تعالى-: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 136]؛ إذ يَمدَح فيه سموَّ الفكرِ، أتدري لماذا؟ لأنه يظنُّ أن الآيةَ تَدعُو المسلمينَ إلى إعلانِ إيمانِهم بكتبِ اليهودِ والنصارى ومساواتِها بالقرآن!" ص96 - هـ 3".

فهل في الآيةِ شيءٌ من هذا؟ إن الله -عز وجل- يدعو المسلمينَ إلى إعلانِ إيمانِهم بما أَنزَل إليهم، وهو القرآنُ، وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ، وما أوتِي موسى وعيسي، وما أوتِي النبيُّون من ربِّهم؛ يعني: الإيمانَ بكلِّ وحيٍ سماويٍّ نَزَل على أيِّ نَبِيٍّ، بما في ذلك موسى وعيسي -عليهما السلام- وهذا شيءٌ، وكتبُ اليهودِ والنصارى شيءٌ آخرُ، فالقرآنُ قد حكَم على هذه الكتبِ بأنها قد حُرِّفت، وزيِّفت، وحُمِل عليها، واختلط بها ما ليس بوحيٍ سماوي.

ومن أخطائه أيضًا تفسيرِه لكلمةِ: "اللاعنون "في قولِه -تعالى-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159].

ذلك أنه يفسِّر ﴿ اللَّاعِنُونَ ﴾، بأنهم هم الذين كانت وظيفتُهم اللعنَ، ثم يَمضِي قائلاً: "لقد كان الشاعرُ في الجزيرةِ العربيةِ قبل الإسلام يُعَدُّ لسانَ القدرةِ الإلهيةِ، ويصبُّ باسمِ الإلهِ البركاتِ واللعناتِ.

ويبدو أن هذه الآيةَ تُشِير إلى هذه الممارساتِ الوثنيةِ القديمةِ" ص100 - هـ 2".

أرأيتَ عبقريةً في السخفِ كهذه العبقريةِ؟

أكان العربُ يَعُدُّون الشاعرَ منهم لسانَ القدرةِ الإلهيةِ؟ ففيم إذًا كان اتهامُهم للرسولِ -صلي الله عليه وسلم- بأنه شاعرٌ؟ تُرَى أكانوا - ونحن كلَّ هذه القرونِ المتطاولةِ لا نَعرِف - يَقصِدون أن الرسول كان مُلهَمًا من السماءِ يتحدَّث بلسانِ الله، فإذا بَارَك أو لَعَن، فإنما يَفعَل ذلك باسمِ اللهِ؟ لا حولَ ولا قوَّة إلا باللهِ!


أليس هذا هو ذوبانَ الذهنِ الذي لا يَدرِي المبلوُّ به أهو يَقرأُ حكاياتِ "بلعام" في كتبِ اليهودِ، أم يقرأُ القرآنَ الكريمَ؟ أرجو كذلكَ أن يَلتَفِت القارئُ إلى الوخزةِ المسمومةِ في قولِ هذا المستشرق: "فهذه الآيةُ - فيما يبدو - تُشِير إلى هذه الممارساتِ الوثنيةِ القديمةِ"؛ أي: أن القرآنَ حين يَلعَن أهلَ الكتابِ لكتمانِهم الوحيَ السماويَّ، فإنما يُحيِي ممارساتٍ وثنيةً قديمةً!


وهو يعدُّ قولَه -تعالى-: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ في الآية الكريمة: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285] متعارضًا تمامَ التعارضِ مع قولِه -سبحانه وتعالى- في نفس السورة: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ [البقرة: 253]؛ إذ هو يَفهَم من قولِ المؤمنينَ بأنهم لا يفرِّقون بين أحدٍ من رسلِه، أنهم لا يَرَون لأحدٍ من الرسلِ فضلاً على آخرَ، مع أن المعنى واضح، وهو: أنهم يؤمنون بهم جميعًا، وليسوا كاليهود والنصارى مثلاً، يؤمنونَ ببعضِ الرسلِ ويَكفُرون ببعضٍ.

ألم يقرأ قولَه -عز وجل-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 150، 151]؟

وهو يتخبَّط في تفسيرِ قولِه -تعالى- للمسلمينَ عن الدرسِ الذي يَنبَغِي أن يتعلَّموه من انتكاسةِ أُحُدٍ؛ إذ كانت الحربُ في بدايتِها تَسِير في صالحِهم إلى أن فَشِل فريقٌ منهم، وتَنَازَعوا، وعَصَوا بذلك أمرَ الرسولِ -صلي الله عليه وسلم-: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران: 152]؛ أي: تقتلونهم، وكان ذلك في أول المعركة قبل أن يَعصِيَ فريقٌ من المسلمينَ أوامرَ نبيِّهم، ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 152].

إن صدقَ اللهِ وعْدَه للمسلمينَ مقصودٌ به عند هذا المستشرقِ انتصارُ بدرٍ، والفشلُ فشلُ أحدٍ، وتنازعُ المسلمينَ إنما هو تنازعُهم حولَ انتكاسةِ أحدٍ" ص146 - هـ 7 ".

فمن أين له بهذا الفهمِ الأمشاجِ، الذي لا يُمسِك بعضُه ببعضٍ، إلا كما تتلاصقُ فقَّاعات الهواء؟


وكيف يكونُ تنازعُ المسلمينَ بشأنِ الهزيمةِ -ومثلُ هذا التنازعِ يَقتَضِي أن تكونَ الهزيمةُ قد وَقَعت فعلاً، وانتَهى الأمر- هو السببَ في الهزيمةِ؟


وهو يرى في قولِه -تعالى-: ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ [النساء: 171]، شهادةً قرآنيةً "بأن المسيحَ يرجِع إلى أصل إلهي" ص183 - هـ 9 "، وفَاتَه أن هذه الآيةَ لا تقرِّر للمسيحِ -عليه السلام- شيئًا آخرَ غير الذي يقرِّره القرآنُ لكل البشرِ؛ فإنهم جميعًا فيهم من روحِ اللهِ.

يقول الحق - تبارك و تعالى -: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ [ص: 71، 72]، بل إن الآيةَ ذاتَها لصريحةُ الدلالةِ في أنه ليس أكثرَ من رسولٍ، والقرآنُ يقولُ بالنص عنه -عليه السلام-: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [الزخرف: 59]، ومثلُ ذلك في القرآنِ كثيرٌ، ومعناه من الوضوحِ بحيث لا يتركُ مقدارَ سنِّ إبرةٍ من الشكِّ.

إن هذا المستشرقَ دائمُ المسارعةِ -إذا لم يُسعِفه فهمُه- إلى اتهامِ القرآنِ بالتعارضِ، ولقد رَأَينا فيما مرَّ بعضَ الأمثلةِ على هذا التورُّط، وهذه واحدةٌ أخرى من أغاليطِه الشنيعةِ؛ إذ يَرَى قولَه -سبحانه-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ والنصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [المائدة: 69]، متعارضًا مع آياتٍ أخرى تقرِّر أنه لا نجاةَ إلا في الإسلامِ، وأن مَن يَبْتغِ غيرَ الإسلامِ دينًا فلن يُقبلَ منه، ثم يَزِيد فيتَّهم ما يسمِّيه بـ "نظرية النَّسخ " بأنها من صنعِ خيالِ العلماءِ المسلمين، ثم يقدِّم رأيَه الذي يتلخَّص في أن هذه الآياتِ المتعارضةَ - في رأيه - إنما تبيِّن كيفَ أن العقيدةَ الإسلاميةَ قد مرَّت بأدوارٍ من التطوُّر قبل أن تصلَ إلى صياغتِها النهائيةِ" ص198 - هـ 8 ".

فهل يوجَد حقًّا بين هذه الآيةِ والآياتِ الأخرى التي يُشِير إليها هذا المستشرقُ أيُّ تعارضٍ؟

أرجو من القارئِ أن يرجِع إلى الآياتِ السابقةِ واللاحقةِ على هذه الآيةِ؛ حيث يَصِمُ اللهُ اليهودَ والنصارى بالطغيانِ، والكفرِ، وانعدامِ التقوى، والخروج على ما أَمَرتْهم به التوراةُ والإنجيلُ -الصحيحان لا المحرَّفان- وعندئذٍ سوف يرى ألا شيءَ مما زعمَه ذلك المستشرقُ صحيحٌ؛ فإن القرآنَ يَشتَرِط للنجاةِ الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخرِ، وهو ما لا يتحقَّق في أهلِ الكتابِ الذين يكفرون باللهِ وبرسولِه عاصينَ بذلك أوامرَ اللهِ بالإيمانِ بكلِّ مَن يبعثهم من رسلٍ.

وإن آيتي سورة النساءِ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾[النساء: 150، 151].

وكذلك آيةُ سورةِ التوبة: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29].

وأيضًا آيةُ سورةِ الأنعام:﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [الأنعام: 92].

ومثلُها آيتا سورةِ الأعراف [ 156 – 157 ]، وهما جوابٌ على دعاءِ موسى -عليه السلام- لربه أن ﴿ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [الأعراف: 156]؛ إذ قال -سبحانه-: ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 156].

أرجو من القارئِ التنبهَ هنا جيدًا: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ﴾ [الأعراف: 157]، كلُّ هذه الآياتِ وغيرها كثيرٌ، تبيِّن - جليًّا - أنهم لا يؤمنونَ باللهِ ولا باليومِ الآخرِ، وأنهم من ثَمَّ ليسوا ممن لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنونَ، وهو أيضًا يَرَى أن قولَه -تعالى-:﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نصارَى ﴾ [المائدة: 82]، لا يتوافقُ مع ما تصبُّه هذه السورةُ نفسُها من هجومٍ وتثريبٍ على النصارى، إلا إذا ثَبَت أنها منحولةٌ" ص200 - هـ 9".

والحقيقةُ أنه لا تعارضَ ألبتةَ بين هذه الآيةِ وما يَتلُوها من آياتٍ، وبين تسفيهِ القرآنِ لشركِ النصارى واعتقادِهم بألوهيةِ المسيحِ أو بنوَّته لربِّ العالمين؛ فهذه الآياتُ تَمدَح فريقًا بعينه من النصارى كان قد وَرَد على النبي -صلي الله عليه وسلم- وفيه القساوسةُ والرهبانُ، وكان هذا الفريقُ من النصارى يتحلَّى: برقَّة القلبِ، والتواضعِ للحقِّ، والإسراعِ إلى إعلانِ الإيمانِ به عند ظهوره له، أما الآياتُ التي تُهَاجِم النصارى، فهي تَدِينُ أصحابَ القلوبِ القاسيةِ والمعتقداتِ الباطلة المفتراة.

وهذا موقفُ القرآنِ أيضًا من اليهودِ، فهو - على رغمِ ما قاله فيهم مما يستحقُّونه، وأعنف منه أضعافًا مضاعفةً - حريصٌ على أن يستَثنِي منهم أهلَ الحقِّ الذين لم يَكتُموا ما جاءَ في التوراةِ عن الرسول -صلي الله عليه وسلم- فآمَنوا به واتَّبعوه.

لكن المستشرق اللوذعيَّ لا يَستَطِيع هنا أيضًا أن يبصرَ الأمرَ الواضح الجلِيَّ، فيدَّعي أن في قولِ الحقِّ -سبحانه-: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأعراف: 159]، تناقضًا مع ما يشنُّه القرآنُ من هجومٍ على بني إسرائيلَ " ص255 - هـ1"، عاميًا عن أن يلمَح حرف الجر "من"، الذي يدلُّ على أن هؤلاءِ أفرادٌ مُستَثنَون من الحكمِ القرآنِي على بنِي إسرائيلَ عامَّة.

وهو في تعليقِه على قصة نوحٍ وولدِه -في سورة "هود"- يرى أن من المحتملِ أن تكونَ هذه القصةُ قد أوحاها إلى محمدٍ ما وَرَد في التوراةِ عن سُكْر نوحٍ وتعرِّيه ورؤية ابنِه عورتَه، ثم لَعْنه لولدِه وذريَّته بعد ما أفاق وعلم بما وقَع" ص320 - هـ 2".

والسؤال هو: "أفي القصةِ القرآنيةِ إشارةٌ إلى شيءٍ من هذا؟ ودعنا الآن من أن القرآنَ لا يجوِّز على الأنبياء أن يسكروا ويَنحدِروا في سُكْرِهم إلى هذا القاع، فِعْلَ الأوباش حين تسورُ بأمخاخِهم سَورَة الخمر، وكيف يكون الأمرُ كما قال المترجِم، ونوحٌ نفسه - كما جاء في القرآن - قد ابتهَل إلى ربِّه متألمًا لما آل إليه مصيرُ ابنِه: ﴿ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ [هود: 45]؟

أتجد -أيها القارئ الكريم- من آصرةٍ بين هذه اللوعةِ الأَبَويَّة وبين اللعنةِ الموهومةِ التي رَمَى بها نوحٌ ابنَه وكلَّ ذريتِه من بعدِه؟ وعلى ماذا؟ على ذنبٍ -إن صحَّت هذه الخرافة الإسرائيلية، وهي بالقطع غيرُ صحيحةٍ- هو الذي اجترحه؛ إذ لو لم يسكر على هذا النحوِ المقزِّز لما رأى ابنُه عورتَه.

ليس ذلك فقط، بل يرى "مونتيه" أن قول الله -تعالى- تعليقًا على هلاكِ قومِ نوحٍ: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 44] يتعاكَس مع قولِه -سبحانه- قبل ذلك لنوحٍ: ﴿ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ﴾ [هود: 37].

ولا نَدرِي أين التعاكسُ بين القولينِ؛ فقومُ نوحٍ قد هَلَكوا، وعند ذلك قيل -ما معناه بلغتنا المعاصرة -: "في ألف داهية!"، إلا أن الأستاذَ ٍالعميدَ يترجِم ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 44]، بما مفادُه: "ابعدوا من هنا أيها القوم الظالمون"؛ أي: إنه يستغرب كيف يكون أولئك القومُ الظالمونَ الذين هَلَكوا ما زالوا أحياءً يَقِفُون أمام نوحٍ، فيَضِيق نوحٌ بوقفتِهم تلك، ويَصِيح بهم: امشوا من هنا!


وهذا المستشرقُ يَقرَأ قولَه -تعالى- حكايةً عن غضبِ موسى من أخيه هارونَ؛ إذ نقَض بنو إسرائيل العهدَ حين تركَهم ومضى إلى الجبلِ، فاتَّخذوا العجلَ: ﴿ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ﴾ [طه: 92 - 94]؛ فيَفهَم منه أن أخْذَ موسى بلحيةِ هارونَ ورأسِه هو تحيةٌ على الطريقةِ التي كانت شائعةً في آسيا الشرقيةِ في الزمنِ القديمِ؛ رمزًا على المودَّة والإخاءِ، ثم يُحِيل القارئَ إلى النص التالي في الأصحاح العشرين من سفْرِ "صمويل الثاني"، فقال "يوءاب لعماسا": أسالِم أنت يا أخي؟ وأمسكت يدُ "يوءاب" اليمنى بلحيةِ "عماسا" ليقبِّله، جاعلاً من هذه الإشارةِ السريعةِ في قصةِ "يوءاب" و"عماسا" - لا أدري كيف، ولا على أي أساسٍ؟ - طريقةً في التحيةِ كانت شائعةً في آسيا الشرقيةِ.

ولا نَدرِي ما حكايةُ آسيا الشرقيةِ هذه! ثم فلتكن إشارةُ التوراةِ ما تكونُ، فأيُّ عَلاقةٍ بينها وبين ما جاء في القرآنِ من أن موسى قد أخَذ بلحيةِ هارونَ ورأسِه؟ أمعنى هذا أن هارونَ حين قال له: ﴿ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ﴾ [طه: 94]، كان يَطلُب منه ألا يحيِّيَه؛ لأنه هو الغضبانُ من موسى لا العكس.

ولكن لماذا؟

سنَفتَرِض جدلاً أن هذا النص غيرُ واضحٍ، أفلم يقرأ هذا المستشرقُ ما جاءَ في سورةِ الأعراف:

﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 150]؟

أم تراه أيضًا سيطلع علينا بأن جرَّ الناسِ بعضهم بعضًا من رؤوسِهم كان -في آسيا الشرقية في الزمنِ القديمِ- دلالةً على شدَّة الحبِّ؟ أليس من الحبِّ ما قتل؟


لا جرم إذًا أن يقول: إن قوله -تعالى-: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾ [الأنبياء: 34]، صعبُ الفهمِ؛ ذلك أنه يَرَى أن هذه الآيةَ ربما كانت منحولةً، وأنها على أيَّة حالٍ لم تسلَم من العبثِ، ومعناها يصعبُ الوصولُ إليه، وفيم كلُّ هذا؟ لقد اكتَشَف أن هذه الآيةَ تضادُّ العقيدةَ القرآنيةَ التي تقرِّر أن البشرَ يخلَّدون في الجنةِ أو في النارِ.

ليس هذا فقط، بل إنه من حَيرتِه البالغةِ أمام هذه الآية يتساءَل: أيقصدُ محمدٌ أن يقولَ: إن الله قد احتَفَظ له بمكانٍ خاصٍّ في الحياةِ الأبديةِ؟ يشير بهذا إلى الجزءِ الأولِ من الآية.

ثم يستمرُّ قائلاً: "يَبدُو أن النبِيَّ كان يَجهَل ما تقوله التوراةُ عن "إخنوخ" من أنه سار مع الله إلى آخرِ عمرِه، ثم اختفى لأن الله أخَذه".

لكن كيف كان يَجهَل النبي -صلي الله عليه وسلم- هذا يا ترى، وهو متَّهمٌ من هؤلاءِ المستشرقينَ بأنه كان يقرأ هذه التوراة ويسرق منها؟ ما علينا، إنما السؤالُ هو: ما عَلاقة هذا بذاك؟ وما وجهُ المقارَنةِ بين "إخنوخ" - الذي اختفى لأن الله أخَذه - وبين إعلان القرآنِ أن محمدًا سيموتُ، مثَله مَثَلُ البشرِ جميعًا؟ ثم يُضِيف هذا المستشرقُ أن النبي -صلي الله عليه وسلم- فيما يبدو، لم يكن على درايةٍ بما جاءَ في التوراةِ [الملوك الثاني 11] عن رفع إيليا للسماء "ص449 - هـ 1 ".

يريدُ أن يقولَ إن النبي -صلي الله عليه وسلم- إن أراد أن يدَّعي أن الله قد احتَفَظ له بمكانٍ خاصٍّ في الحياةِ الأبدية، فها هو ذا "إيليا" قد رفَعه الله إليه، يعني أنه خالدٌ أيضًا عند الله، فهل قال القرآنُ: إن محمدًا -صلي الله عليه وسلم- خالدٌ، وغيرَه من الناس ميِّتون؟ قد يَرَى بعضٌ أن من تضييعِ الوقتِ مناقشةَ مثلِ هذا الكلامِ، ولكن ما حيلتُنا وهؤلاءِ الناسُ هم أئمةُ قومِهم في فهمِ الإسلامِ؟ يقولون فيسمعون لقولِهم، إن هذا المستشرقَ قد أثار معركةً حاميةَ اللهيبِ في غير طائلٍ، فأدنى إنسانٍ حظًّا من الفهمِ لا يفوتُه هنا أن الله يُعلِن أن الناسَ جميعًا - محمدًا وقومَه وسابقيهم واللاحقين - ميِّتون.

أما خلودُ الجنةِ والنارِ، فهذا موضوعٌ آخرُ لا تتعرَّض له الآية ُالكريمةُ بشيءٍ، وهو على كل حالٍ لا يتحقَّق إلا بأن يموتَ الإنسان أولاً، ثم يُبعَث ليخلَّد.

وانظر أيضًا هذه الآيةَ التي يردُّ فيها ربُّ العزةِ على اعتراضاتِ الكفَّار بأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان يَأكُل الطعامَ ويَرتَاد الأسواقَ، وعلى اقتراحِهم عليه - إن كان صادقًا - أن يُلقِي الله إليه كنزًا،أو تكونَ له جنةٌ يأكلُ منها، فيقولُ -سبحانه-: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا ﴾ [الفرقان: 10]، فما الذي يفهمُه ذوو العقولِ من قوله -تعالى-: ﴿ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ﴾؟ أليس المقصودُ: "خيرًا مما يَقتَرحُونه عليك من كنزٍ يُلقَى إليك، أو جنة تأكُل منها؟ "، بيدَ أن صاحبَنا يَفهَمُها هكذا: "خيرًا من جميعِ الأموالِ التي يُمكِن أن يُعطِيَكها الناسُ" ص488 - هـ 3".

أيُّ ناسٍ؟ وأيُّ أموالٍ؟ أليس ذلك أمرًا مخجلاً؟


وتأمَّل كيف يوجِّه ضميرَ المخاطَبين في قوله -تعالى-: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ [فاطر: 39]؛ إذ يَرَى أن المقصودَ بالخطابِ هنا هم القادةُ الدِّينيُّون من كلِّ أمةٍ "ص586 - هـ 2"، مع أن الآيةَ قد وَرَدت في سياقِ الحديثِ عما سيَلقَاه الكفَّار في نارِ جهنَّم، فلا هم بمَقضيٍّ عليهم فيموتوا ويستريحوا، ولا عذابُها بمخفَّف عنهم.

فإذا كان لا بدَّ أن تكونَ الآيةُ موجَّهة إلى ناسٍ بعينِهم، فهم هؤلاءِ الكفرةُ الذين جعلهم الله خلائفَ في الأرضِ، فلم يَقُومُوا بالأمانةِ التي حملها الإنسانُ؛ فاستحقُّوا عذابَ الجحيمِ، وبخاصَّةٍ أن الآيةَ تَقتَصِر على إنذارِ الكفَّار ولا تتحدَّث عن الغفرانِ الإلهي، مثلما تفعل الآيةُ الأخرى المشابهةُ في سورة "الأنعام"[آية 165]، التي تتوجَّه إلى الناس جميعًا، ومن ثَمَّ تهدِّد بالعقابِ السريعِ، وتبشِّر بالغفران والرحمة في آنٍ.

أما حكايةُ القادةِ هذه، فليست إلا من اختراعِ المترجِم.

أما قاصمة الظهرِ، فهي تفسيرُ المترجِم لقوله -تعالى-: ﴿ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ [الصافات: 49]، بأنه تشبيهٌ للعيونِ بالبَيْضِ "ص599 - هـ 1".

إن الآية لا تتحدَّث ألبتةَ عن العيونِ، بل عن الحُورِ العِين، فهن المشبَّهات إذًا بالبيضِ المكنونِ، الذي يفسِّره المترجِم: "بأنه "بَيضٌ من النوع الفاخر": "des oeufs de choix ".

ومع ذلك فلنغضَّ الطرفَ عن هذا، ولنركِّز القولَ على فسادِ الذوقِ الذي يرى أن العيونَ الجميلةَ يُمكِن تشبيهُها بالبَيضِ، فهل مَن يَستَطِيع أن يتخيَّل عينًا تشبهُ البَيضةَ، إلا أن تكون عينًا جاحظةً قد ذهبت حدقتُها ولم يبقَ إلا بياضُها؟ وهل هذه إلا عيونُ بعضِ العميانِ؟ وكأن هذا الخلطَ غيرُ كافٍ، فنَجِد المترجِم يؤكِّد أن تشبيهَ العيونِ بالبَيضِ موجودٌ في الشعرِ الشرقي.

نعم الشعر الشرقي، هكذا بإطلاق! يا لله لهذا الجهلِ الذي لا يَعرِف الحياءَ! تُرَى أين ذلك الشعرُ إلا في عقولِ المخبولينَ؟


إنني في اختياري لهذه الأخطاء إنما أتعمَّد أن أختارَها من ترجمةِ مستشرقِنا للآيات الشديدةِ الوضوح، وأكرِّر أني أَكتَفِي بأمثلةٍ قليلةٍ جدًّا جدًّا من هذه الأخطاءِ.

أيَرَى القارئُ مثلاً صعوبةً في معرفةِ أن النصفَ الأوَّل من سورةِ "الواقعة"يتحدَّث عن طوائفَ من الناسِ ثلاثٍ يومَ القيامةِ: هم السابقون المقرَّبون، وأصحابُ اليمينِ، وأصحابُ الشمالِ؟ ذلك واضحٌ تمام الوضوح، وواضحٌ مثله أن السابقينَ المقرَّبين سيَكُونُون ثلَّة من الأولينَ وقليلاً من الآخرينَ، إلا أن المترجِم يَضطَرِب اضطرابًا مضحكًا لا مسوِّغ له، فيقولُ: إن الذين سيكونونَ ثلَّة من الأوَّلين وقليلاً من الآخرينَ، إنما هم أصحابُ اليمينِ؛ إذ هو لا يَفطِن إلى الطائفةِ الأولى، طائفةِ السابقين المقرَّبين" ص726 - هـ 1".

من أجل ذلك، فعندما يَصِل إلى قولِه -تعالى-: ﴿ وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ *... * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ ﴾ [الواقعة: 27 - 40]

يَرَى في الكلام تناقضًا؛ إذ كيف يصحُّ أن يكونَ ﴿ أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴾ مرَّة ثلةً من الأولينَ وقليلاً من الآخرينَ، ومرَّة ثانيةً ثلةً من الأولينَ وثلةً من الآخرينَ؟ ثم يتساءل: أثَمَّة خطأٌ من الناسخِ؟ ويُجِيب: محتملٌ جدًّا "ص727 - هـ 9".

وإننا - بدورِنا - لنتساءلُ: ألا يعرفُ مثلُ هذا المستشرقِ كيف يراجِع نفسَه - ولو مرَّة - قبل أن يرمِي بهذه الأحكامِ المتهوِّرة؟


ومثالٌ آخرُ على هذا الفهمِ العجيبِ، هو: تفسيرُه لقولِه -تعالى-:﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الجمعة: 2، 3]؛ فالأميُّون عنده هم الوَثَنِيُّون، والكتاب هو التوراةُ، ومن ثَمَّ فالكلامُ عن اليهودِ.

أما قولُه: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ [الجمعة: 3]، فهو عبارةٌ غامضةٌ معترَضةٌ، ربما تُشِير إلى دخولِ اليهودِ في الإسلام، ثم يَختِم هذه التخبُّطات بقولِه: "إن المعنَى قد يَكُون كالآتِي: إذا كان ثَمَّة يهودٌ لم يَدخُلوا الدينَ الجديدَ، فإن يهودًا آخرينَ قد قَبِلوه" ص753 - هـ 5 – 6".

ويتعجَّب الإنسانُ من هذا المستشرقِ الذي يرى أن الآيةَ الواحدةَ تُشِير في الوقتِ ذاتِه إلى الوثنينَ واليهودِ، ولا يَعرِف أن ﴿ لَمَّا ﴾ تَعنِي أن الفعلَ التالِي لها لم يتحقَّق بعدُ، على عكسِ ما فَهِم هو من أنها تُشِير إلى دخولِ طوائفَ من اليهودِ فعلاً في الإسلامِ.

إن الآيةَ مشرقةُ المعنَى تمامًا، وهي تقرِّر أن الله قد بَعَث من العربِ رسولاً يعلِّمهم الكتابَ وما فيه من حكمةٍ، بعدَ أن كانوا في ضلالٍ من قبلُ مبينٍ، ويعلِّم أيضًا أجيالاً سوف تَلحَق بهم في الإيمانِ به فيما يُستَقبَل من الزمانِ.

وآخرُ ما أحبُّ أن أَختِم به تفسيراتِ هذا المترجِم المُضحِكة، هو تفسيرُه لكلمةِ "رَجيم"، التي كثيرًا ما يَصِف بها القرآنُ الشيطانَ، إنه يَرَى فيها إلمامًا إلى شريعةِ الرَّجمِ في الحجِّ؛ فالشيطانُ في نظرِه رجيمٌ؛ لأن الحجَّاج يَرجُمُونه بالحجارةِ، ويَعْمَى عن أن القرآن يَحكِي قولَ الله -عز وجل- للشيطانِ في بَدْءِ الخَلْقِ عندما أمر ملائكتَه أن يَسجُدوا لآدمِ، فَسَجدوا إلا إبليس: ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ [الحجر: 34].

فالشيطانُ إذًا "رجيمٌ" منذ البَدْءِ، وليس لأن الحجَّاج يَرجُمُونه إحياءً -كما يقولُ- لذكرى إبراهيمَ -عليه السلام- حين أخَذ يَرجُمُه بالحجارةِ؛ لأنه كان يُحَاوِل إغراءه بعصيانِ ربِّه وعدمِ التضحيةِ بابنِه إسحاقَ! "ص822 - هـ 13".

ترى ما الذي كان المترجِم سيَخسَره لو كان اكتَفَى بالترجمةِ، ولم يتدخَّل فيما لا يَستَطِيع الاضطلاع به؟ ثم إنه لم يكتفِ بإثباتِ هذا التعليقِ مرَّة واحدةً، بل سجَّله بطريقةٍ مطَّردةٍ في كلِّ مرةٍ يأتي فيها ذكرُ الشيطانِ الرَّجِيم.

• • •


القضيةُ الثانية التي تُثِيرها هذه الترجمةُ، هي اتِّهامُ هذا المستشرقِ للقرآنِ بوقوعِ العبثِ في نصه:

وقد مرَّ بنا كيف يُسَارِع في كلِّ مرةٍ -لا يُسعِفه فيها الفَهم- إلى اتِّهام النص القرآنِيِّ بوجودٍ خطأ أو أخطاءٍ ترجِع إلى النسَّاخ، على أنه في مواضعَ أخرى يرجم - بلا أدنى تثبُّتٍ، وبلا دعامةٍ من أوهى دليل - بأن هذه الآيةَ أو تلك الآياتِ قد سقَطَت من النص أو لم تكن فيه ثم أُضِيفت إليه، فهو -على سبيلِ المثالِ- يرى أن قولَه -سبحانه-: ﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ [البقرة: 106]، وكذلك قولَه -عزَّ من قائلٍ-: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 101]، ربما لم يكونا موجودَينِ في الأصلِ، بل أضَافَهما - فيما بعدُ - العلماءُ المسلمون، الذين اختَرَعوا نظريةَ الناسخِ والمنسوخِ؛ لتسويغِ ما فيه من آياتٍ متضارِبةٍ" ص91 - هـ 1".

هكذا بجرأةٍ مستهترةٍ بغير أن يكلِّف نفسَه أن يوردَ ولو دليلاً واحدًا، أيَّ دليلٍ.

ولا أَدرِي ما وجهُ الغرابةِ في أن يَمضِيَ الدينُ الجديدُ بأتباعِه خطوةً خطوةً في مدارجِ تربيَّتِهم وترقيتِهم؟ ومثالُ الخمرِ وتحريمها على درجاتٍ هو أوضحُ مثالٍ لهذا التطورِ الذي يَستَتبِع في جانبٍ منه وجودَ ناسخٍ ومنسوخٍ.

وفي تعليقٍ له على قولِه -تعالى-: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾، في الآيتين التاليتين: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ [آل عمران: 87، 88]، يقولُ: "إن المقصودَ أنهم رازحونَ تحت اللعنةِ الإلهيةِ" - حتى الآن معقول، ثم يضيف قائلاً -: "ومن الممكنِ كذلكَ، أن آيةً عن النارِ كانت موجودةً هنا ثم سَقَطت" ص139 - هـ 5 ".

ذلك أنه يعزُّ عليه أن يَجِد عبارة ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾، من غيرِ أن تَسبِقَها كلمةُ

"النار" أو "جهنَّم"، كما هو الحال في آيات قرآنيةٍ أخرى، مع أن المعنى واضحٌ، وقد شَرَحه هو نفسُه.

كذلك يدَّعِي أن الآيتينِ [65 – 66 من سورة "الأنفال]: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 65، 66]، هما - فيما يبدو - روايتانِ لآيةٍ واحدةٍ كانت موجودةٍ وضاعت.

والسؤال: أين؟ ولماذا؟ ثم كيف تكون هاتانِ الآيتانِ اللتانِ تصوِّران ما كان منتظرًا من المسلمينَ في أوائلِ اصطدامِهم بجحافلِ الشركِ حين كان عددُهم قليلاً وظروفُهم صعبةً، ثم لما عزَّت شوكةُ الإسلامِ وكَثُر جنودُه خفَّف الله عنهم، وإن ظلَّ يُرِيد منهم أن يكونَ أحدُهم في صبرِه وطاقتِه باثنينِ من الكفَّار - هما في الأصلِ آيةٌ واحدةٌ؟


ويبلُغ بمستشرقِنا تهوُّرُه أن يؤكِّد أن قصةَ شُعيبٍ في سورةِ "هود" يَنبَغِي منطقيًّا أن تَتلُوَ قصةَ صالِحٍ -عليهما السلام- وهو ما يُفِيد - حسبَ منطقِه الفريدِ في عبقريتِه - أن قصةَ إبراهيمَ ولوطٍ -عليهما السلام- ليس مكانَها هناك بين القصتينِ المذكورتينِ، لماذا؟ لأن الآيةَ التي تذكر سلسلةَ الأممِ التي أَهلَكها الله قبلَ شعيبٍ - والتي يذكرُهم بها شعيبٌ عسى أن يتَّعِظوا ويطرحوا عنادَهم وكفرَهم - ليس فيها أدنى ذكرٍ لقصةِ إبراهيمَ؛ إذ لا تشير إلا إلى نوحٍ وهودٍ وصالحٍ، وهذا يدلُّ على أن الآياتِ التي تَحكِي قصةَ إبراهيمَ ولوطٍ لم تكن في الأصلِ جزءًا من هذه السورةِ" ص314 - هـ 1".

فلنأتِ إلى الآيةِ التي يدَّعي هذا الرجل أنها لا تَخلُو من كلِّ ذكرٍ لإبراهيمَ، وقد تعمَّد أن يقولَ "إبراهيم"، لا "لوط"، مع أن القصة تدورُ في الأساسِ حولَ إهلاكِ قوم لوطٍ، وجاء ذكرُ إبراهيمَ فيهما بمناسبةِ مرورِ الملائكةِ به، وإخبارِهم إيَّاه أنهم مُرسَلون إلى القضاءِ على أولئك القومِ؛ فهي تقولُ على لسان شعيبٍ: ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: 89].

إذًا فالآيةُ تذكُر أيضًا لوطًا، بل تُفرِده وقومَه في جملةٍ على حدةٍ؛ لأنهم كانوا أقربَ الهالكينَ إلى أقوامِ نوحٍ، وهودٍ، وصالِحٍ.

فأين هذا من ادِّعائه: أنها لا تذكُر سوى نوحٍ وهودٍ وصالحٍ؟ هذا ما يقولُه الكاتب في الهامشِ الذي جعَله تمهيدًا للسورةِ، فإذا بلَغ هذه الآيةَ الأخيرةَ التي يبرزُ فيها اسمُ لوطٍ وقومِه بروزًا شديدًا، أكَّد أن عبارةَ: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾، هي عبارةٌ أضيفَت في وقتٍ لاحقٍ بقصدِ التغطيةِ على ما في النص من تناقضٍ كما بيَّنه في الهامشِ التمهيدي المشار إليه" ص326 - هـ 3"، إن قصةَ لوطٍ عنده هي قصةٌ مدسوسةٌ على السورةِ، لماذا؟ لأنه لم يردْ للوطٍ ولا لقومِه ذكرٌ على لسانِ شعيبٍ، لكن شعيبًا قد ذكر لوطًا وقومَه! فلا يكونُ جوابُ هذا المستشرقِ إلا أن هذه جملةٌ لم يَقلْها شعيبٌ، بل دسَّها المسلمون -فيما بعدُ- للتغطيةِ على التناقضِ الموجودِ في السورة، ولكن أيُّ تناقضٍ؟ لا جواب.

فلنتابعِ المترجِم، ولنسقِط هذه الجملةَ من الآية المذكورةِ، فكيفَ ستكونُ تقفيةُ الآيةِ؟


إن الآيةَ في هذه الحالةِ ستَنتَهِي بكلمة "صالحفهل يا تُرَى تَنسَجِم هذه مع بقيةِ فواصل السورة؟

إن مَن له أدنى حسٍّ بموسيقا الفواصل القرآنية، ليَجزِم بأنها ليست فقط ناشزةً بين فواصلِ سورةِ "هود"، بل بين فواصلِ القرآنِ كلِّها، ثم إن هذه القصصَ الأربعَ قد وَرَدت في ثلاثةِ مواضعَ أخرى من القرآن على الأقلِّ بهذا الترتيب السردي [الأعراف 59 - 93، والحج 42 - 44، والشعراء 105 - 191]، فلِمَ سكَت المترجِم في هذه المواضعِ ولم يعقِّب؟ وأين كانت تشكيكاتُه واتهاماتُه؟


وهو في تعقيبِه على الآية التاليةِ: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ [الكهف: 50]، يقول: إن هذه هي المرةُ الوحيدةُ التي يُقَال فيها عن إبليسَ إنه من الجنِّ، ثم يَمضِي مؤكدًا ألا مشاحةَ في أن هذه غلطةٌ من الناسخِ ترجِع إلى المخطوطةِ الأولى للقرآنِ؛ لأن العبارةَ - مع وصفِ إبليسَ بأنه من الجنِّ - تُصبِح في رأيه غيرَ مفهومةٍ.

إن الله -كما يقرِّر هذا المستشرقُ- قد أصدر أمرًا للملائكةِ، فعَصَى الأمرَ واحدٌ فقط هو إبليسُ،" ص409 - هـ 3 ".

يُرِيد أن يقولَ: إن الأمرَ كان صادرًا للملائكةِ، فمعنى عصيانِ إبليسَ أنه واحدٌ منهم؛ إذ كيف يَعصِي أمرًا لم يكن ضمنَ المقصودين به؟ فهل صحيحٌ أن عقيدةَ القرآنِ في إبليسَ - الذي هذا المستشرقُ واحدٌ من تلامذتِه النجباءِ - هي أنه مَلَكٌ من الملائكةِ؟ إن الآيتينِ [11 – 12 من سورة الأعراف] تلقيانِ ضوءًا على هذه المسألةِ، فماذا تقولانِ؟ لنقرأ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف:11، 12].

إن إبليسَ هنا يتبجَّح بأنه مخلوقٌ من نار، وانظر أيضًا: سورة ص [71 – 76]، وفي سورة "الحجر" [26 - 27] نقرأ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾ [الحجر: 26، 27]، وانظر كذلك سورة "الرحمن" [14 – 15].

فإذا كانت سورتا "الأعراف" و "ص" تَقُولانِ إن إبليس مخلوقٌ من نارٍ، وكانت سورتا "الحجر" و"الرحمنِ" تقرِّران أن النارَ هي العنصر الذي خُلِق منه الجنُّ، فما معنَى ذلك إلا أن إبليسَ يَنتَمِي إلى الجنِّ لا إلى الملائكةِ؟ وهناك سِمَةٌ أخرى فارقةٌ بين الملائكةِ وإبليسَ، فبقيةُ آيةِ سورةِ "الكهف" - التي يدَّعي المترجِم أن فيها غلطةٌ من الناسخِ - تحذِّر البشرَ من إبليسَ وذريتِه؛ أي: إن إبليسَ بنص القرآنِ له ذريةٌ، وهو ما لا يَنسِبه القرآنُ قط للملائكة.

أما اعتراضُ المترجِم على استثناءِ إبليسَ من الملائكةِ مادام لا يَنتَمِي إليهم، فإني لن أذكرَ في الردِّ عليه ما يسمَّى في النحوِ "الاستثناء المنقطع"، فليس مستبعدًا أن يردَّ أمثالُ هذا المستشرقِ بأن هذا البابَ قد اختَرَعه النحاةُ العربُ؛ ليغطُّوا على مسألةِ استثناءِ إبليسَ من الملائكةِ، بل أسوقُ بعضَ الآياتِ الأخرى التي ورَد فيها مثلُ هذا الاستثناءِ للتدليلِ على أن المسألةَ لم تكن غلطةً من الناسخِ، بل هي استعمالٌ قرآنِيٌّ عاديٌّ.

فمثلاً أترى آلَ لوطٍ -عليه السلام- "إلا امرأتَه" كانوا داخلينَ في "القوم المجرمين" حتى يَستَثنِيَهم الملائكة منهم؟ قال - أي: إبراهيم -: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ ﴾ [الحجر: 57 - 60].

أم ترى عبارةَ ﴿ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ داخلةً في شقاءِ الرسولِ -صلي الله عليه وسلم- كي يَستَثنِيَها الله منه في قوله -تعالى-: ﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ [طه: 1 - 3]؛

أم ترى الله -تعالى- داخلاً في الأصنامِ؛ إذ استَثنَاه منها إبراهيم -عليه السلام- في قولِه -سبحانه-: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ *... * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 69 - 77]؟

ومثلُه قولُه -تعالى-: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: 26، 27].


ومثله أيضًا قولُه -سبحانه- عن أهلِ الجنةِ: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة: 25، 26].

أم ترى قيلَ السلامِ داخلاً في اللغوِ والتأثيمِ؛ فاحتاج من ثَمَّ إلى استثنائه منهما؟ أم ترى الذين كَفَروا وتولَّوا داخلينَ تحت سيطرةِ الرسول -عليه السلام- وبقيةَ الناسِ خارجها في قوله - تبارك وتعالى -: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾ [الغاشية: 21 - 23]؟

وهو يدَّعي أن سورة "فاطر" قد مرَّت عليها ريشةُ كاتبِها ببعضِ اللمساتِ الأخيرة؛ إذ إن تقفيةَ الآياتِ من [36 إلى آخر السورة] لا تعرفُها بقيةُ السورةِ" ص581 - هـ 1".

لكن هل هذا سببٌ معقولٌ لاتهامِ السورةِ الكريمة بأنها خَضَعت لبعضِ اللمساتِ الأخيرةِ؟ أكان هذا المستشرقُ مع كتبةِ الوحي ونُسَّاخه وشاهَدهم وهم يثبتونَ ويَمحُون، ويحسِّنون في النص ويجمِّلون، ويَختَارُون هذه الفاصلةَ، وتلك يَلفِظون؟ إن الذي يَسمَع هذا الاتهامَ من هذا المستشرقِ يَظُنُّ أن كلَّ سورةٍ قرآنيةٍ إنما تدورُ على رويٍّ واحدٍ لا يتغيَّر من مبتدأ السورةِ إلى منتهاها.

إن هذا غيرُ صحيحٍ، بل لا بدَّ أن تَختَلِف بعضُ الفواصلِ في كلِّ سورةٍ عن بقيتِها، اللهم إلا في السورةِ القصيرةِ جدًّا جدًّا كسورةِ "الصمد" و"الكوثر" مثلاً.

ثم إن سورةَ "فاطر" نفسها تتنوَّع فيها الفواصلُ تسعَ مرَّات لا مرتينِ فحسبُ، كما يريد المترجِم أن يوهِم قرَّاءه.

وهذه بعض فواصلها: ﴿ قَدِيرٌ، الْحَكِيمُ، تُؤْفَكُونَ، الْأُمُورُ، الْحَمِيدُ، سُودٌ، لُغُوبٌ، خَسَارًا، تَحْوِيلًا ﴾.

بل إنه هو نفسُه كثيرًا ما يقومُ بإحصاءِ فواصلِ السورِ، وهذه الفواصلُ -كما تبيِّنها تلك الإحصاءاتُ- دائمًا ما تكونُ متنوعةً، فما معنَى التشكيكِ في هذه السورةِ بالذات إذًا؟ وهو أيضًا لا يَستَطِيع أن يفهَم كيف يقولُ القرآنُ: ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ﴾ [الصافات: 149]؛ فنراه يدَّعي أن هذه الآية قد حُرِّفت؛ إذ كان يَنبَغِي - في نظرِه - أن يقالَ: "فاستَفتِهم: أللهِ البناتُ وَلَكم البَنونَ؟"، بدلاً من ﴿ أَلِرَبِّكَ ﴾، التي لن يعودَ الضميرُ فيها حينئذٍ إلا على محمدٍ، وما وجه الخطأ في ذلك؟ إنه يَزعُم أن النص يكون أوضحَ بعد التغييرِ المقترحِ" ص105 - هـ 4".

باللهِ ماذا يُمكِن أن يقولَ الإنسانُ لمثلِ هذا الدَّعِي المُتَفَيهِق؟

ومثلُ ذلك ادِّعاؤه بأنَ آيةَ: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [المعارج: 4] -التي يصفُها بأنها تقومُ على المبالغةِ- تبدو شرحًا للآيةِ السابقةِ عليها أراد محمدٌ به -أو على الأقلِّ كاتبُ هذا الشرحِ- أن يبيِّن العلوَّ المطلقَ الذي يَسكُنه الله فوقَ السمواتِ السبعِ " ص779 - هـ 6 ".

إن هذا المستشرقَ يَرَى أن الآيةَ المذكورةَ "شرح: une glose" للآيةِ السابقةِ عليها؛ لتفسيرِ ما غمض في قوله -تعالى-: ﴿ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴾ [المعارج: 3]، كما يقولُ كذلك: إن هذا الشرح يقوم على المبالغةِ، فهل عَرَج هو إلى اللهِ مع الملائكة وتحقَّق أن العروجَ لا يَستَغرِق كلَّ هذه المدةِ التي حدَّدها القرآن أم ماذا؟ ثم هل تقولُ الآيةُ، إن الله يسكنُ فوق السموات كما جاء في تعليق "مونتيه"؟


وأخيرًا يتقدَّم هذا المستشرق خطوةً أخرى بعد أن ادَّعى أن هذه الآيةَ تعدُّ شرحًا لما غمض في الآيةِ السابقة عليها، فيقولُ: إن هذا الشرح إلا يكنْ كتَبه محمدٌ، فواحدٌ غيرُه كتَبه.

• • •

وهذا المستشرقُ -ككثيرٍ من أشباهِه- يدَّعي أن بعضَ سورِ القرآنِ مفكَّكة لا رابطَ بين أجزائِها.

والحقيقةُ أن القرآنَ يَختلِف عن التوراةِ والإنجيلِ كما نَعرِفُهما الآن، فهذانِ يعدَّان في الدرجةِ الأولى تاريخًا لبنِي إسرائيل وعيسي -عليه السلام- كَتَبه اليهودُ والنصارى فيما بعد؛ فالحوادثُ فيهما مرتَّبة على حسبِ وقوعِها، أو على الأقلِّ حسب ما ظنَّ كَتَبتُهما أنه المسارُ الذي اتخذتُه هذه الحوادثُ: ما وقَع منها فعلاً، وما حُرِّف.

أما القرآنُ، فهو وحيٌ سماويٌّ كان ينزلُ من حينٍ لحينٍ، آيةً، أو آياتٍ، أو سورةً كاملةً؛ فهو إذًا ليس تاريخًا للرسول -صلي الله عليه وسلم- ودعوتِه، بل مبادئ وتوجيهات إلهيَّة في المقامِ الأول، ثم أُمِر الرسولُ -صلي الله عليه وسلم- بأن تُرتَّب هذه النصوص في داخلِ كلِّ سورةٍ على النحوِ الذي بَلَغنا.

والقارئُ الذي يرتِّل القرآنَ على عَجَلٍ، ربما لا يَفطِن للخيطِ الذي يَربِط فقراتِ كلِّ سورةٍ معًا ربطًا قد تلحظُه عينُ المتنبهِ بسرعةٍ، وقد يَحتَاجُ الأمرُ إلى فضلِ تأمُّلٍٍ.

إن الأسلوبَ القرآنِيَّ يَعتَمِد عمومًا على الإيجازِ والتكثيفِ، وهو يَكتَفِي في أحيانٍ كثيرةٍ بوضعِ الآيةِ أو الآياتِ في موضعِها تاركًا لمن يتبصَّر مهمةَ التوصُّل إلى ما يَربِطها بسياقِها، انظر مثلاً إلى قوله -تعالى- في سورةِ "البقرة ": ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 238، 239]، الذي وَرَد في سياقِ الحديثِ عن الطلاقِ والمهرِ ومقدارِ ما تستحقُّه المطلَّقةُ التي دخَلَ بها زوجُها؛ فالمتعجِّلُ المتَّهِمُّ سرعان ما يَعُدُّ ورودَ هاتينِ الآيتينِ في سياقِهما هذا خللاً في بناءِ السورةِ، بيدَ أن المتدبِّر يرى أن الله يُحِبُّ لعبادِه -في غمرةِ نزاعِهم في مسائلِ الطلاق، وما يستحقُّه كلُّ طرفٍ- أن يتذكَّروه -سبحانه- وهل أفضلُ من الصلاةِ وسيلةٌ للتذكيرِ باللهِ؟ وأن يُحاوِل كلٌّ منهم أن يكونَ كريمًا؛ فيَترُك بعضَ حقِّه أو يتحمَّل بعضَ عبءٍ ليس واجبًا عليه تحمُّلُه، وهو ما يُسَمِّيه القرآنُ بالعفوِ: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [البقرة: 237]. فكيف تكونُ تقوى عند مَن لا يذكرونَ اللهَ ولا يَقُومُونَ له بالصلاةِ قانتينَ؟


كذلكَ قد يَجِدُ القارئَ المتعجِّل ألا مسوِّغ لورودِ الآيةِ الحاديةَ عشرةَ من سورة "النمل" في موضعِها الذي وردت فيه، وهي الآيةُ الأخيرةُ في الآياتِ الثلاثِ الآتيةِ: ﴿ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النمل: 9 - 11].

إذ ما معنى أن يَستَثنِي الله هنا ﴿ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ﴾، ثم يُعقِّب بأنه -سبحانه- ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾؟ ولكن الذي يقرأُ قصةَ موسى كما أوردتها سورةُ "القصص"، وهي السورةُ التاليةُ لسورةِ "النمل"، سوف يَجِد مِفتَاحَ هذه الآيةِ؛ فإن موسى -عليه السلام- بعد أن وَكَزَ "الذي مِن عدوِّه فقَضَى" عليه، قال: ﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ [القصص: 15 - 17]، فإذا عَرَفنا أن الاستثناءَ في آياتِ سورة "النمل" هو من جنسِ الاستثناءِ الذي أَورَدْنا منه عدَّة أمثلةٍ في هذا الفصلِ - وهو ما يسميه النَّحْوِيون: "الاستثناء المنقطع" - كان المعنَى على النحوِ التالي: ﴿ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النمل: 10، 11].

مرَّة أخرى أذكِّر بأن الأسلوبَ القرآنِي يَعتَمِد بوجهٍ عامٍّ على الإيجازِ والتكثيفِ.

إن القرآنَ بهذه الطريقة -التي تَبدُو للمتعجِّلين والذين يَبحَثونَ عن الاتِّهاماتِ مفكَّكة- يُرضِي أذواقَ الذين يُحِبُّون، وهم يقرأون، أن يتنقَّلوا من موضوعٍ لموضوعٍ، وكذلك الذين يفضِّلون أن يكونَ ما يقرأونه موصولاً في وحدةٍ تضمُّه من أطرافِه، وإن احتاج اكتشافُ هذه الوحدةِ أحيانًا إلى شيءٍ من البحثِ.

والأذواقُ الأدبية تتغيَّر من عصرٍ إلى عصرٍ، بل في العصرِ الواحدِ، ثم إن هذه الطريقةَ تسهِّل على قارئِ القرآن أن يبدأَ قراءتَه من أيِّ موضعٍ تقريبًا في أية سورةٍ؛ فيجدُ أنه يقرأُ موضوعًا قائمًا بذاتِه، وإن كان يربطُه في الوقتِ نفسِه بما حوله أوثقَ الصلاتِ.

إن "مونتيه" يؤكِّد مثلاً أن سورةَ "المائدة" تَفتَقِر إلى وحدةٍ بين موضوعاتِها الشديدةِ التنوُّعِ من الصيدِ إلى ما يَحِلُّ ويَحرُمُ من الطعامِ والنساءِ، إلى الصلاةِ، إلى الزكاةِ، إلى الوضوءِ، إلى اليهودِ والنصارى، إلى السرقةِ، إلى القصاصِ، إلى الخمرِ والميسرِ، إلى الإشهادِ على الوصيةِ" ص185 - هـ 1".

وهذه هي النظرةُ العَجْلَى التي لا تَرَى أبعدَ من أرنبةِ أنفِ الناظرِ، وإلا فالخطُّ العامُّ في السورةِ هو دعوةُ المؤمنين إلى الوفاءِ بعقودِهم ومواثيقِهم، وألا يكونوا كأهلِ الكتابِ حين نَقَضوا ميثاقَهم الذي أَخَذه الله عليهم.

وما على القارئِ إلا أن يرجِعَ إلى السورةِ ويقرأُها بتمهُّل، ولسوف يَجِدُ أن هذا الخيطَ العامَّ يَنتَظِم هذه الموضوعاتِ التي ذكَرها المترجِم؛ إذ تَبتَدِئ السورةُ بدعوةِ الذين آمنوا إلى الوفاءِ بالعقودِ، ثم تذكرُ بعضَ هذه العقودِ، ثم تكرُّ بعد قليلٍ على اليهودِ والنصارى ذاكرةً أن الله أخَذ ميثاقَهم فنَسُوا حظًّا مما ذُكِّروا به، وتَمضِي ضاربةً عددًا من الأمثلةِ على نسيانِهم لهذا الميثاق: فاليهودُ مثلاً لا يَحكُمُون بالتوراةِ، ويَأكُلون السُّحت، والنصارى يؤلِّهون عيسي -عليه السلام- برغم أنه قد دعاهم إلى اللهِ ربِّه وربِّهم.

ومترجِمُنا في مقدِّمته لسورةِ "الأعراف" ص233" يَزعُم أنه من الصعبِ أن نَعرِف أهذه سورةٌ واحدةٌ، أم عدَّة سورٍ؛ وذلك لأنها - في رأيه - تَنقَسِم إلى خمسةِ أقسامٍ متمايزة:

1- خطيئةِ آدمَ.

2- وإرسالِ: نوحٍ، وهودٍ، وصالِحٍ، ولوطٍ، وشعيبٍ إلى أقوامِهم.

3- وموسى وتاريخِ اليهودِ من بعده.

4- وأعداءِ اللهِ عامَّة.

5- ويومِ القيامةِ.

والحقُّ أن هذه الأقسامَ التي يظنُّها الناظرُ العابرُ منفصلةً، تَبدُو مع القراءةِ المتمهِّلة للسورةِ، وقد انتَظَمها خيطٌ واحدٌ، هو أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- قد أَتَى بدعوةِ الحقِّ، وأن على الناسِ أن يَستَجِيبوا له، ولا يتَّبِعوا خطواتِ الشيطان، الذي استَكبَر على أبيهم آدمَ وعصى ربَّه؛ فهو عدوُّهم ومُرْدِيهم في النارِ إن اتَّبَعوه، وأن يتَّعظوا بمصارعِ الأممِ الخالية: قومِ نوحٍ، وعادٍ، وثمودَ، وأهلِ مَدْينَ، وقومِ فرعونَ، وبنِي إسرائيل، ثم تَنتَهِي السورةُ بتناولِ الموضوعِ تناولاً عامًّا مع ضربِ الأمثالِ الصادعةِ.

وإذا كان هذا المستشرقُ يتَّهِم سورًا كاملةً بفقدانِ الوحدةِ بين أجزائها، فإنه قد يضيِّق هذا الاتهامَ ويقصرُه على عددٍ من الآياتِ داخلَ هذه السورةِ أو تلك: فمثلاً الآيتانِ التاليتانِ: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان: 14، 15]، هما في نظرِه منقولتانِ عن موضعِهما الأصلي؛ إذ كان يَنبَغِي أن توضعا بعد وصايا لقمانَ، لا بينها كما هو الحالُ الآن مادام اللهُ لا لقمانُ هو الذي يتحدَّث فيهما " ص552 - هـ 3 ".

وهذه -مرَّة أخرى- نظرة عَجْلَى لا تعرِف الريثَ.

إن هاتينِ الآيتينِ قد وَرَدتا بعدَ الآيةِ التالية: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]؛ فالآيتانِ إذًا تريدانِ أن تقولا: إن على الإنسانِ أن يحسنَ إلى والديه؛ فيُطِيع ما يَأمُرانِه به من إيمانٍ بالله، كما فعَل لقمانُ حين أَوصَى ابنَه ألا يُشرِك به -عز وجل- أمَّا إذا كان الوالدانِ محرومينِ من حكمةِ لقمانَ، فأمَرا ابنَهما بالشركِ بالله، فعليه ألا يُطِيعَهما، ولكن لابدَّ أن يصاحبَهما بالمعروفِ، هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فإن الله يَقضِي بينه وبينهما بالحقِّ.

إن الآيتينِ -بعبارةٍ أخرى- تعضِّدان دعوةَ لقمان لابنِه إلى الإيمانِ بالله -الذي يَعلَم ما في السموات والأرضِ- وإقامةِ الصلاةِ، والأمرِ بالمعروفِ، والنهي عن المنكرِ... إلخ.

فزاويةُ الخطابِ قد تغيَّرت إذًا من لقمانَ إلى الله -سبحانه- ولكنَّ هذا التغيُّر من شأنِه أن يعضِّد المعنى، وكلُّ ذلك على طريقةِ القرآنِ في الانتقالِ السريع والتعبيرِ المكثَّف.

ثم هذه نكتةٌ أسوقُها للتلطيفِ:

فالمترجِم يُضِيف عبارةَ "يا محمد" بعد قوله -تعالى-: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي ﴾ [لقمان: 15]، ولا أَدرِي من أين أتى بهذا الفهم المخبول؟


إن توصيةَ الإنسانِ بوالديه على هذا النحوِ قد تكرَّرت في القرآنِ في أكثرَ من موضعٍ، فلا بدَّ إذًا -بناء على هذا الفهمِ المأفونِ- أن تكونَ المنازعاتُ بين الرسولِ -عليه الصلاة والسلام- ووالديه في مسألةِ الإيمان والكفر، قد بَلَغت حدًّا مُزعجًا دعا السماءَ إلى التدخُّل وإلزامِ الرسولِ -صلي الله عليه وسلم- بمصاحبتِهما في الدنيا معروفًا.

بالله ماذا يُمكِن أن يقولَه الإنسانُ في هذا الرجل، الذي فَقَد عقلَه وحياءه إلى الحدِّ الذي يفسَّر عنده القرآن هذا التفسيرَ "الحَلَمَنْتِيشِي"؟


أكان هذا الرجلُ يَجهَل أن رسولَ اللهِ -عليه الصلاة والسلام- لم يَرَ أباه ولا مرَّة واحدةً؛ لأنه كان قد ماتَ قبل أن يولَد، وأنه فَقَد أمَّه وهو طفلٌ صغيرٌ لا يَستَطِيع أن يُجَادِل في مثلِ هذه المسائل؟


فما الذي جَعَله إذًا يتصدَّى لترجمةِ القرآنِ وتفسيره، فضلاً عن تخطئتِه والتشكيكِ فيه؟


ومن اتهام مستشرقِنا أيضًا لبعضِ الآياتِ بنبوِّها عن السياقِ - تأكيدُه أن مَثَل "أصحاب القرية" الذي ضَرَبه اللهُ في الآياتِ [13 – 29] من سورة "يس" خارجٌ عن السياقِ، وأنه ربما أُضِيف إلى السورةِ في وقتٍ لاحقٍ، مع أن السورة كلَّها تدورُ حولَ إنذارِ الكفَّار بسوءِ المنقلَبِ، وتَبشِير المؤمنينَ الذين يتَّبعون دعوةَ الرسلِ بفلاحِ المصيرِ، وهو المعنى ذاتُه الذي ضَرَب الله ذلك المثلَ من أجلِه.

• • •


وآخرُ ما سأتناولُه من قضايا في هذا الصدد، هو المقارنةُ التي كثيرًا ما يَعقِدُها "مونتيه" بين القرآن والكتابِ المقدَّس، وسأكتَفِي بعينةٍ صغيرةٍ جدًّا مما يقولُ.

والملاحَظ أنه قد يَعقِد مقارنةً بين شيئينِ لا تماثلَ بينهما، كما هو الحال مثلاً مع قولِه -تعالى-: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260]، الذي يؤكِّد أنه ليس إلا صدًى خافتًا لما جاءَ في العهدِ القديمِ عن قربانِ الميثاقِ الذي عَقَده إبراهيمُ مع اللهِ، حسبما جاء في سِفر "التكوين" [15 - 9 - 18] "ص120 - هـ 8"، رغمَ أن قصةَ العهدِ القديم لا تتحدَّث عن أربعةٍ من الطير، بل عن: عِجْلةٍ، وعَنْز، وكَبْشٍ، ويَمَامةٍ، وحَمَامةٍ، وليس فيها ذكرٌ لتوزيعِ الطيرِ على الجبالِ، ولَمْ يسأل إبراهيمُ فيها ربَّه كيف يُحيي الموتى، وإنما سأله كيف يَعلَم أنه سَيَرثُ الأرضَ التي وَعَده -سبحانه- بها.

ثم إن قصةَ العهدِ القديمِ ليست أكثرَ من رؤيا... إلخ. فليس بين القصتينِ إذًا أيُّ تشابهٍ يسوِّغ المقارنة.

كذلك يدَّعي المترجِم أن الآيةَ التاليةَ: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾[آل عمران: 75].

تذكِّرنا بمَثل الوَزْنات في الأصحاح الخامس والعشرين من إنجيل "متَّى" ص137 - هـ 5"، رغم أنه ليس بين هذه الآيةِ ومَثَل الوزناتِ في إنجيل "متَّى" أيُّ تشابهٍ؛ فالآية تتحدَّث عن أخلاقِ صنفينِ من اليهود: صنفٍ أمين، وصنفٍ خؤون يأكلُ الأمانةَ ولا يردُّها، أما مثَل الوزنات، فهو يدورُ حولَ ملكوتِ السمواتِ، وأن الذي سَيَرثُه هو الذي يَنشَط ويشمِّر عن ساقِ الجدِّ، ومع ذلك فتفاصيلُ المَثَل ذاتُها لا تتَّفق، على الأقلِّ في ظاهرها، مع منطقِ العقلِ؛ إذ إن العبدَ الثالثَ الذي ردَّ لسيدِه الوزنةِ -التي كان قد سلَّمها له السيد قبل سفرِه- قد عنَّفه سيِّدُه على أنه لم يردَّها إليه مضاعفةً، كما فعَل العبدانِ الآخرانِ، وقال له: "كان يَنبَغِي أن تضع فِضَّتِي عند الصَّيَارِفة، فعند مجيئي كنتُ آخذُ الذي لي مع ربًا"، ثم عاقبه فأخَذ منه الوزنةَ وأعطاها للذي كان قد سلَّمه عشر وزناتٍ، وطَرَده خارجَ البيتِ، حيث: الظلامُ، والبكاءُ، وصريرُ الإنسان، مع أن الذي يُفْهَم من القصةِ أنه سلَّمهم أموالَه ولم يَطلُب منهم المتاجرةَ بها والاحتفاظَ بما يَكسِبُونه حتى يعودَ، كما أن عذرَ العبدِ الثالثِ على عدمِ المتاجرةِ بوزنتِه أنه خافَ أن يَخسِر؛ فيُعَاقِبه سيِّده - وهو عذرٌ معقولٌ جدًّا، فضلاً عن أن الربا حرامٌ.

كذلك يرى المترجِم أن الإشارة التي وَرَدت في الآيةِ 98 من سورة "يونس"، عن قوم هذا النبِيِّ تَختَلِف عن روايةِ العهدِ القديمِ، مع أن هذه الرواية لا تَخرُجُ -على كثرةِ تفاصيلِها- عن الإشارةِ المقتضبةِ في روايةِ القرآنِ، ونص ها: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [يونس: 98]، ويُفهَم من كلام المترجِم أن وجهَ الخلافِ بين الروايتينِ، هو أن قومَ يونسَ -على حسبِ العهدِ القديمِ- قد آمَنوا باللهِ، ولكن بعد أن دَعَاهم نبيُّهم، فتابوا وعَفَا الله عنهم " ص312 - هـ 2 ".

فهل هذا شيءٌ آخرُ غيرُ الذي في الآيةِ القرآنيةِ؟

على كلِّ حالٍ -فكما قلتُ قبلاً-: فإن الكتابَ المقدَّس لا يُمكِن أن يكونَ عيارًا على القرآنِ، بيدَ أنَّنِي أحببتُ أن أبيِّن أن هذا المستشرقَ يَقَعُ دائمًا في حتفِه بظلفِه.

وأخيرًا، فإنه يتَّهِم القرآنَ أحيانًا بِهَلْهَلةِ الأسلوبِ، وقلةِ الاحتفاءِ بالصياغة، ولا أظنُّ أحدًا يأخُذُ كلامَه مأخذَ الجدِّ، وبخاصة بعد أن أدركَ القراءُ الكرام معي مدى عجزِه عن فهمِ النص القرآني في أحيانٍ كثيرةٍ.


   طباعة 
0 صوت